كيف أجيب على أسئلة طفلي المحرجة؟ الدليل الشرعي العملي للتربية الجنسية (من 3 إلى 12 سنة)
ماما، كيف جئت إلى هذه الدنيا؟ سؤال بسيط قد يجمد قلب أي أم وأب، هذا السؤال المهم، يليه غالباً إما كذبة بيضاء أو توبيخ للطفل، بحجة أن سؤاله «غير لائق» ولكن ماذا لو كان هذا السؤال، هو بالضبط البوابة الذهبية لبداية تربية إيمانية سليمة لطفلك؟ يقول ﷺ {ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه} (رواه البخاري).
هذا الحديث الشريف ليس مجرد كلمات نقدمها كـ "مقدمة نظرية" بل هو التعليل النبوي العميق لما نفعله مع أبنائنا، ففطرة الأطفال نقية كالورقة البيضاء، وكيفية التربية الجنسية للأطفال هي من أهم ما "يكتب" على هذه الورقة، وهو ما يشكل فهمه لنفسه ودينه وعالمه، لذلك فإن السكوت او التوبيخ بحجة "الحفاظ على البراءة" هو في الحقيقة إهدار لتلك الفطرة وتركها فريسة لأي مؤثر خارجي قد يشوهها.
إن التربية الجنسية في الإسلام ليست ترفاً ثقافياً، بل هي الواجب الشرعي الذي نتحقق به، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، لذلك فإن وقايتنا لأهلنا تبدأ من وقايتهم من الجهل والانحراف، وبناء فهم صحيح وسليم يحفظ براءتهم الحقيقية ويحمي إيمانهم، فالبراءة الحقيقة ليست في الجهل بل في الفطرة السليمة، التي يفهم الطفل من خلالها حدود جسده وحقوقه، بعيداً عن الأفكار المنحرفة.
جذور الخوف من أسئلة الأطفال وعلاجها:
إذا كان السؤال هو البوابة الذهبية، فما الذي يقف عائقاً أمامنا لنجتازها مع أبنائنا، في غرف الاستشارات التربوية، تتردد ذات الأسئلة المحرجة دائماً: بابا لماذا تغلقان باب غرفتكما؟ ماما كيف جئت الى بطنك؟ قلوبنا جميعاً ترهب أسئلة الأطفال الصادقة، لماذا؟، لأن ثلاثة أمور تتحكم في رد فعلنا، وهي نفسها العقبات التي تحول دون تربية جنسية إيمانية سليمة وهي:
1. حيرة الأبوين الشرعية:
الشعور بأننا لا نملك المعرفة الشرعية الكافية للرد، مع نسيان أن جوهر المسؤولية الشرعية للوالدين هو التربية على الحلال والحرام ضمن فهم بريء، فليس المطلوب فقهاً معقداً، بل صدق الحكمة في نقل حدود الجسد وقدسية الخالق، ضمن إطار التربية.
يقول صلى الله عليه وسلم: {مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ} (رواه أبو داود)، وهذا الحديث الشريف يجمع بين الأمر بالتدرج في التعليم، ووضع الحدود الوقائية (كالفصل في المضاجع)، مما يمنحنا خريطة عملية واضحة.
2. وهم الصمت الواقي:
عندما نخلط بين براءة الطفل وبين الجهل المضر، نتصور أن الصمت يحمي الفطرة السليمة، لكنه في الحقيقة يتركها دون حصانة، فالتربية الجنسية في الإسلام ليست كسراً للبراءة، بل هي أسلوب وقائي يحمي تلك البراءة من التشويه.
قال رسول ﷺ: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه} (رواه البيهقي)، فلا حياء في الدين، وإتقان تربية اولادنا وتعليمهم بحكمة هو من محبة الله، وهذا يشمل الإجابة على أسئلتهم العفوية.
3. فخ الفضول المفتوح:
عندما نخشى أن تكون الإجابة باباً لفضول الأطفال لا نستطيع إغلاقه بعد فتحه، دون معرفة أن الفضول الطبيعي للطفل يختلف عن الفضول المشوه، وأن الإجابة المناسبة لعمر الطفل تشبع الأول وتغلق الطريق عن الثاني، هذا هو منهج الإسلام في التعامل مع أسئلة الأطفال المحرجة.
عن الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ وهو في المسجد: {هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنِ اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي الْبَرَدِ الشَّدِيدِ؟"} فأجابه النبي ﷺ مباشرة: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}، ثم سأله الأعرابي سؤالاً أكثر خصوصية عن الجماع في نهار رمضان، فأجابه ﷺ أيضاً دون توبيخ (السلسلة الصحيحة للألباني).
هذا النموذج العملي يوضح لنا، اهمية الرد المباشر والواضح على أسئلة الأطفال الحساسة، مما يغلق باب الفضول ولا يفتح أبواباً جديدة.
إذن، هذه المخاوف ليست قدراً محتوماً، بل هي شبهات تربوية قابلة للحل، وهي تشكل الحاجز الحقيقي عند أغلب الآباء والأمهات، بمجرد تجاوزها نصبح جاهزين للجزء الأهم، كيف نجيب أطفالنا؟ دعنا ننتقل الآن إلى الدليل العملي للرد حسب كل مرحلة عمرية، لتحويل هذا الحوار إلى لبنة في بناء شخصية الطفل الإيمانية.
الدليل العملي: تربية نبوية وفق مراحل العمر
القاعدة الذهبية: قبل أن ترد على طفلك، اسأله: ماذا تعرف أنت عن هذا؟ أو ما الذي سمعته؟ هذا يمنحك فرصة لتصحيح أي معلومات خاطئة وصلت إليه اولاً، وقياس مستوى فضوله الحقيقي.
المرحلة الأولى: سنوات البراءة (3-5سنوات)
"أنت هدية جميلة من الله لنا، وقد وضعك الله كبذرة صغيرة في بطن ماما، لتنمو في مكان آمن ومليء بالحب، حتى كبرت وخرجت إلى الدنيا لنفرح بك جميعاً، الله هو الذي يخلق الأطفال ويجعلهم يأتون بهذه الطريقة الجميلة.
المرحلة الثانية: التمييز (6-9سنوات) مرحلة فصل المبيت
عندما يتزوج الرجل والمرأة بحب وبركة الله، يجعل الله بينهم حبا ومودة خاصة، ومن خلال هذه المودة يهب الله الطفل في رحم الأم لينمو ويكبر حتى يأتي موعد ولادته.
تربية منزلية: تعويده على الاستئذان قبل الدخول على والديه في أوقات الراحة، تطبيقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور:58].
المرحلة الثالثة: ما قبل البلوغ (9-12 سنة) التهيئة الشرعية
خلق الله في الرجل والمرأة أعضاء خاصة لتكوين الأطفال، ولكنها لا تعمل إلا في إطار الزواج الشرعي، الذي يحفظ الكرامة ويوفر الحب والاستقرار للطفل، هذه العملية معجزة من الله تعالى، وهي مسئوولية كبيرة مرتبطة بالزواج.
التربية الجنسية في الإسلام ليست "مادة عملية" نقدمها ثم ننتهي، بل هي تعبير عملي على الرعاية والمسؤولية التي أمرنا الله بها، وعندما نربط هذا الجانب من التربية بالإيمان والعبادة، فإننا نصنع جيلا يعتز بدينه ويحمي نفسه بحدود الخالق.
الإجابة ليست نهاية المهمة، بل بداية بناء مناعة إيمانية لطفلك، كن المصدر الأول له، وأسس جدار الثقة معه ولا تسخر من سؤاله أبداً، واشكره على سؤاله دائماً.
عندما تجيب طفلك بصدق وحكمة، فإنك لا تغلق باباً من الأسئلة، بل تفتح باباً من الثقة سيدخل منه طفلك في كل أزماته المستقبلة، وستكون أنت أول من يعلم، وهذه هي التربية الإيمانية الحقيقية.
.png)
%20(1).png)
.png)
.png)
تعليقات
إرسال تعليق